الرؤية والواقع - صحيفة جازان نيوز الإلكترونية
جازان نيوز : حاصلة على ترخيص وزارة الثقافة والإعلام الأربعاء 20 ربيع الثاني 1438 / 18 يناير 2017




الرؤية والواقع

في أحايين كثيرة يبدي العقل البشري قدرا كبيرا من العجز عن ادراك الواقع الذي دائما ندعي فهمه والالمام به . ولعل السبب الرئيسي في عدم فهم الواقع هو الجهل بحقيقته وعدم القدرة على التعامل مع متغيراته . هناك مجموعة كبيرة تعتقد أن معرفتها بالواقع كاملة ويتعجبون ويصادرون رأي من يقول لهم أن ادراك الواقع قد يكون مستحيلا .إن فهمنا الحالي لتحليل الواقع هو بناء على ما تسمعه او نراه دون أن نكلف النفس عناء التدقيق والبحث عن الحقيقة في مصداقية ما وصل إلينا أو التريث في إصدار الأحكام التي أطلقناها على الآخرين .

ان محاولات فهم الواقع هي محاولات ناضجة وواعية فمثلا اذا اردنا ان نقول ان المجتمع الفلاني هو مجتمع مثالي وملتزم فسيكون هناك اختلاف كبير في تحديد معايير المثالية والالتزام , لاسيما وأن كثيرا من عقائد الناس وافكارهم واهتماماتهم وسلوكياتهم لا تظهر لنا بشكل واضح . وعليه فإن كل ما نفعله هو أن نتجاوز كل هذه المعطيات والعقبات ونتخيل واقعا حسب تخيلاتنا وهواجسنا ورغباتنا . لقد كانت فكرة المفاعلات النووية غائبة عن الواقع الذهني للجميع حتى كانت حادثة تشرنوبل التي ايقظت الكثير على مخاطر المفاعلات والكوارث المحتملة .

ولعلنا نذكر موقف ابو بكر الصديق رضى الله عنه في رفضه لتجزئة الواقع مع المرتدين فحارب الردة واستطاع الخلاص بالإسلام من مخاطر كادت أن تفتك به بعد موت المصطفى صلى الله عليه وسلم في المقابل فإن التخلي عن الدين والقيم والالتزام حديثا لم يكن له تأثير في مجتمعاتنا لإيقاف هذا الواقع المزيف والحفاظ على الواقع الحقيقي للأمة ؛ يموت يوميا الآلاف من المسلمين بسبب الأمراض والحوادث والحروب ، ولكن كل هذه الاخبار أصبحت تمر مرور الكرام ؛لأن تأثيرها أصبح ضعيفا في واقعنا , وفي المقابل نجد وسائل التواصل تهتم لتفاهات لا تسمن ولا تغني من جوع ، ولا أدري ما الفائدة من التركيز على قضية معلمة وطالبتها وعدم التركيز على جدوى التعليم وكفاءته في تنشئة الاجيال .

نستطيع معرفة توجهات الآخرين وتعاملهم مع الواقع المعاصر من خلال المخزون الثقافي والتعليمي لكل فرد ؛ فالفئات الأقل ثقافة يصرون على أن رأيهم هو الوحيد لخلاص كل مشكلة وفي المقابل فإن الفئات الاعلى ثقافة تجدوهم يركزون على نفي نظرية الرأي او الحل الوحيد . ولاشك أن التركيز على السبب الوحيد والعامل الوحيد والحل الوحيد يجعلنا حبيسي الواقع الراهن وغير قادرين على الخروج من اخاديد الواقع المر ؛ ويظهر هذا جليا في الخلافات المذهبية والفكرية والقيادية فيتولد عنها كم هائل من المشاحنات وحبك المؤامرات والخوض في وحل الرذيلة لأثبات وجهة النظر الوحيدة على حساب كل الاخلاقيات والقيم
.
وكملخص لما ذكرنا سابقا فنحن نتحدث عن فكر متصلب . يظل متأخرا عن متطلبات الواقع وغير قادر على الشفافية والمرونة . ان صاحب الفكر المتصلب شديد الجمود وغير مذعن للحق ودائما كلامه واشاراته تحمل المعنى القطعي فيقول مثلا هؤلاء جميعهم كاذبون وليسوا مثلنا !! أن صاحب الفكر المتصلب لا يُقدِّر اهتمامات ومشاعر الNخرين ولا يستجيب لرغباتهم المتكررة للتغيير ويشكل عليهم نوعا من الحصار الفكري الذي يتولد عنه إما شرارة مواجهة او خنوع واستسلام . وعلينا الا ننسى ان صاحب الفكر المتصلب دائما يهرب من الحقائق ويهوِّن من تأثيرها وقيمتها ويظهر ذلك جليا في محاربة الكتب والمنشورات والافكار الجديدة التي لا تتوافق مع افكاره الجامدة بل أنه لا يتورع في اتهام مؤلفي تلك الكتب بأبشع الصفات .

بعد كل هذا أملنا في (رؤية وطن ) وضعت تصورات عقلانية واحلام منطقية لأحداث مستقبلية ورسمت خارطة طريق لمستقبل محفوف بالمخاطر .فهل ستكون جميع العقول مندمجة في (واقع الرؤية ) أم نظل تعاني من اعراض الكبت والانفصام .

تعليقات : 2 | إهداء : 0 | زيارات : 406 | أضيف في : منذ أسبوع 04:57 PM | [أضف تعليق] إرسال لصديق طباعة حفظ بإسم حفظ PDF


التعليقات
63744 "نبيل عصيري" تاريخ التعليق : منذ أسبوع 09:30 PM
مقال جميل وتحليل واقعي دكتور وان كنت أرى أن التعويل على الجيل الجديد (جيل الشباب العشريني) في فهم الرؤية وتغيير العقليات إضافة إلى ضرورة ايصال الصورة الواضحة للرؤية من ناحيه أهدافها واستراتيجياتها...الرؤية كتصور حالمة جدا ونهاية الطريق سيكون باذن الله مزدهرا...

[نبيل عصيري]

63745 Romania "حمد الجعبور" تاريخ التعليق : منذ أسبوع 04:08 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
شكراً دكتور على الايجاز في الفكر المتصلب لكن اتمنى منك وانت تمتلك ثقافة عالية وابداع منتاهي في كل واردة وشاردة وطرح للفكرة بشكل سلس
نريد مقالاً يحاكي الفكر المنغلق او الجمودي دراسة تحليلة وكيف ومتى بدأت اتمنى ان ينال طلبي موافقتكم حفظكم الله ورعاكم
والسلام عليكم

[حمد الجعبور]


د. عواجي النعمي
د. عواجي النعمي

مواقع النشر
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Facebook
  • أضف محتوى في Google

الحجم

تقييم
10.00/10 (1 صوت)

مشاركة


المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لصحيفة (جازان نيوز ) الإلكترونية بل تمثل وجهة نظر كاتبها